سيد قطب

3715

في ظلال القرآن

الأرض ، وكلاهما يرضع من هذه الأم ! وكذلك ينشئ الإيمان في المؤمن تصورا حقيقيا حيا لعلاقته بالأرض وبالأحياء . تصورا فيه دقة العلم وفيه حيوية الشعور . لأنه قائم على الحقيقة الحية في الضمير . وهذه ميزة المعرفة القرآنية الفريدة . والناس الذين نبتوا من الأرض يعودون إلى جوفها مرة أخرى . يعيدهم اللّه إليها كما أنبتهم منها . فيختلط رفاتهم بتربتها ، وتندمج ذراتهم في ذراتها ، كما كانوا فيها من قبل أن ينبتوا منها ! ثم يخرجهم الذي أول مرة ؛ وينبتهم كما أنبتهم أول مرة . . مسألة سهلة يسيرة لا تستدعي التوقف عندها لحظة ، حين ينظر الإنسان إليها من هذه الزاوية التي يعرضها القرآن منها ! ونوح - عليه السلام - وجه قومه إلى هذه الحقيقة لتستشعر قلوبهم يد اللّه وهي تنبتهم من هذه الأرض نباتا ، وهي تعيدهم فيها مرة أخرى . ثم تتوقع النشأة الأخرى وتحسب حسابها ، وهي كائنة بهذا اليسر وبهذه البساطة . بساطة البداهة التي لا تقبل جدلا ! وأخيرا وجه نوح قلوب قومه إلى نعمة اللّه عليهم في تيسير الحياة لهم على هذه الأرض وتذليلها لسيرهم ومعاشهم وانتقالهم وطرائق حياتهم : « وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً ، لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً » . . وهذه الحقيقة القريبة من مشاهدتهم وإدراكهم تواجههم مواجهة كاملة ، ولا يملكون الفرار منها كما كانوا يفرون من صوت نوح وإنذاره . فهذه الأرض بالقياس إليهم مبسوطة ممهدة - حتى جبالها قد جعل لهم عبرها دروبا وفجاجا ، كما جعل في سهولها من باب أولى . وفي سبلها ودروبها يمشون ويركبون وينتقلون ؛ ويبتغون من فضل اللّه ، ويتعايشون في يسر وتبادل للمنافع والأرزاق . وهم كانوا يدركون هذه الحقيقة المشاهدة لهم بدون حاجة إلى دراسات علمية عويصة ، يدرسون بها النواميس التي تحكم وجودهم على هذه الأرض ، وتيسر لهم الحياة فيها . وكلما زاد الإنسان علما أدرك من هذه الحقيقة جوانب جديدة وآفاقا بعيدة « 1 » . هكذا سلك نوح - أو حاول أن يسلك - إلى آذان قومه وقلوبهم وعقولهم بشتى الأساليب ، ومتنوع الوسائل في دأب طويل ، وفي صبر جميل ، وفي جهد نبيل ، ألف سنة إلا خمسين عاما . ثم عاد إلى ربه الذي أرسله إليهم ، يقدم حسابه ، ويبث شكواه ، في هذا البيان المفصل ، وفي هذه اللهجة المؤثرة . ومن هذا البيان الدقيق نطلع على تلك الصورة النبيلة من الصبر والجهد والمشقة ، وهي حلقة واحدة في سلسلة الرسالة السماوية لهذه البشرية الضالة العصية ! فما ذا كان بعد كل هذا البيان ؟ « قالَ نُوحٌ : رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ، وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً . وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً . وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ، وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً . وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً . وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا » . . رب إنهم عصوني ! بعد كل هذا الجهاد ، وبعد كل هذا العناء . وبعد كل هذا التوجيه . وبعد كل هذا التنوير . وبعد الإنذار والإطماع والوعد بالمال والبنين والرخاء . . بعد هذا كله كان العصيان . وكان السير وراء القيادات الضالة المضللة ، التي تخدع الأتباع بما تملك من المال والأولاد ، ومظاهر الجاه والسلطان . ممن

--> ( 1 ) تراجع سورة الملك عند قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ . ص 3637 - 3640 .